إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 2012-05-06, 03:55 PM
| نار الحب  نار الحب غير متواجد حالياً

 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
المشاركات: 1,479
نار الحب is on a distinguished road
إرسال رسالة عبر ICQ إلى نار الحب
افتراضي يوميات نضال البطّال

:besmellah2:

أنا نضال البطّال..ابلغ من العمر 27 سنة..حاصل على شهادة عليا في الحقوق..عاطل منذ سنوات..ابحث عن...عذرا عذرا لا اعرف لماذا كلما هممت بكتابة شيء ما تتسرب على رأس الورقة هذه الصيغة دوما..وكأنني اكتب مطلب عمل لوزير أو مدير..عذرا سادتي فقد صار من الصعب التعود على كتابة أخرى غير مطالب العمل..غير أنني أحاول بين الفينة و الأخرى كتابة أمر ما : يوميات أقصوصة رواية شعر مذكرات..التسمية لا تهم..ولا تهم أيضا الغاية من وراء ذلك..تلك هي العبثية التي تحكم العاطل عن العمل في كل أيامه..النوم المقهى الصحف عروض الشغل ذلك هو النشاط العبثي لأغلب العاطلين وفي الحقيقة فإن عبارة "عاطل عن العمل" لا تشكل التعريف الدقيق لحالتي..فأنا لم أتوقف يوما عن العمل والحركة بل هي عبارة تتخذ دوما لتقديم كل حاصل عن شهادة عليا ولم يتم توظيفه بحسب المؤهلات التي تقدمها شهادته..هذا تعريف يبدو أنه رسمي وأكثر قربا للتعبير عن البطال في تونس..الذي يبدو أيضا انه لا نصيب له حتى في تعريف يقدمه بشكل واضح..إذا أنا شاب تونسي حاصل على شهادة عليا ولم يتم توظيفي بحسب المؤهلات التي تقدمها شهادتي..أي أنني شاب تونسي بلا وظيفة..لكن حتما لست بلا عمل: عملت في التدريس حضائر البناء مصور فوتوغرافي الفلاحة الكتابة والتجارة...مررت بكل شيء..واللاشيء..
* وأنا نضال البطّال استيقظ يوم الأحد وقد صارت كل أيامي آحادا وعطلا..أفكر في العدم..فلا شيء محدد لأفعله..غير أن الأرجل في اغلب الأحيان تنوب مناب العقل في التفكير..تأخذني دونما تفكير إلى المقهى...لا حاجة لتحديد طريق الوصول إلى المقهى..فالطريق واحدة هي طريق كل "البطاّلة"..أرى الوجوه واجمة بالباب رمادية لا مشاعر فيها..لا هم فرحون ولا مستاءون كل الوجوه متشابهة وكل الوجوه متحجرة.. حتى وجه صاحب المقهى لا شيء محدد يميزها عن غيرها يقدم لي القهوة دون أن يسألني عن نوعها أو قطع السكر..صارت هي الأخرى معروفة فهكذا هي حال "البطالة" في قريتي لا يسألهم الناس عن قطع السكر اللازمة لتصير قهوتهم حلوة وحياتهم احلى..انظر إلى انعكاس وجهي في القهوة السوداء..كأنه ليس وجهي..وكأنني لست صاحبه صار وجهي هو الأخر كوجوه رواد المقهى المتناثرين رمادي لا مشاعر فيه..تدور القهوة في الكأس..تذوب قطع السكر..تصير القهوة أحلى..ووجهي كما هو..حزين فوق القهوة السوداء.
* أنا نضال البطّال..استيقظ في هذا الصباح من حلم اسود كما القهوة تماما..سألت أمي عن الأمر فتحسست رأسي بيدها وتمتمت بتعاويذ قديمة..ورأيت دمعة يتيمة تنحدر من عيناها..وسمعتها تقول في صمت"آه يا ولدي قد أفقدتك البطالة عقلك"..سألت جارنا حين إلتقيته خارجا إلى تجارته عن الحلم الأسود..استعاذ من الشيطان وتركني غارقا في حيرتي فلا وقت لديه..عمله يناديه وأنا نضال البطّال...أنا نضال البطّال اعتصر رأسي في هذا الصباح الكئيب انظر إلى القهوة السوداء أمامي وأفكر في الحلم الأسود..كنت في الشارع الرئيسي للعاصمة..وأمامي جموع الناس كانوا بشرا ولكنهم لم يكونوا كذلك..بل هم بقايا من البشر..وجوه مشوهة لكنها لم تفقد ملامحها بعد..أجساد نصف عارية لفت في ما كان قماشا ابيضا قبل أن يغير التراب والدم لونه..كانت مظاهرة في اكبر شوارع العاصمة..فكرت..غريب أمري..مظاهرة في شارع ممنوع التظاهر فيه؟؟ ومن هؤلاء..ابشر هم أم أشباح..وهذا ابن خلدون استحال بشرا هو الآخر..ولم يعد بعد اليوم حجرا..يسجل المظاهرة في كتابه..ربما اعتقد أن فصلا جديدا يجب أن يكتب في تاريخ هذه البلاد ..اقتربت من الجموع..غريب كنت اعرفهم جميعا لم أر واحدا غريبا عني..هذا حلمي وهذا غسان قد جاؤوا من أرضنا البعيدة وهذا جمع آخر لمن مات في وسط البلاد وغربها..لقد خرجوا إلينا من جديد..رأيت ذلك الشاب الذي رأيت صورة جثته في بداية الثورة..رأيت رأسه وقد انفجر نصفين..أراه الآن أمامي..يسير برأس مفتوحة..يصرخ في فرق الأمن..قد عاد من مات من اجل الثورة من جديد..هل أدركوا انه لم يعد يوجد في هذه البلاد احد غيرهم يواصل ما قد بدؤوه؟؟ هل اعتقدوا أنهم ماتوا من اجل أن ينعم الناس بالخير والحرية والفرح..لكنهم اكتشفوا بعد موتهم أن الحزن هو الحزن والجوع هو الجوع فعادوا من جديد يصلحون ما أفسدناه؟ رأيتهم يسيرون بخطى ثابتة نحو وزارة الداخلية مشهد سريالي لا دماء فيه رغم أن المتظاهرين أموات ماتوا برصاص البوليس..رأيت جموع الأمن مرعوبة حائرة..حاول احدهم أن يطلق الرصاص لكن..غريب كيف يطلق الرصاص على فتى قد قتله بنفسه بالأمس القريب؟؟ وهل ستقتله الرصاصة مرة أخرى؟ هو ميت فعلا لكنه أطلق الرصاص فلا خيار لديه رأيت الرصاصة تخترق رأس احد الشباب..تماما في منتصف الرأس تماما ..عبرت من الثقب الذي أحدثته رصاصة القناص الأولى..لكن لا دماء هذه المرة ولا بكاء واصل الفتى تقدمه ارتعب البوليس أمامه افرغوا أمشاط الرصاص في الجموع أمامهم ولا احد سقط أو مات..سحب الغاز غطت السماء ولا احد من الفتية ارتعب أو تراجع..لم يخافوا في ميتتهم الأولى ولن يخافوا اليوم..من بعيد..رأيت أهل السلطان مجتمعين إلى أمر المظاهرة يتدارسونه..رأيت رئيسهم الأول ورئيسهم الثاني يستنجدون بكل معارفهم الطبية لفهم قيام أموات قد ظنوهم أمواتا..رأيتهم يحللون يتناقشون يتصلون بغيرهم في عواصم الثلج والجليد لا احد فهم الأمر رأيت صاحب الشرطة يحثهم فلنقصفهم بالطائرات سنسويهم بالأرض وسنبني الشارع من جديد على دمائهم وعظامهم..سندفنهم حيث هم و نسوي فوقهم طبقات الجير والإسفلت حتى لا يستيقظوا مرة أخرى..رأيت جماعة المجلس يتمتمون باللعنات على من استيقظ من المدافن وافسد عليهم اجتماعاتهم ومشاوراتهم..و..مرتباتهم..قد عاد الأموات إليكم مرة أخرى وسيقتلعونكم من كراسيكم كما اقتلعوا كبيركم الذي علمكم الكذب على من انتخبكم...
* وأنا نضال البطّال أفكر وأعيد التفكير في حلمي الأسود..ولا شيء اتضح بعد..يبدو أنها أضغاث أحلام سكنت رأسي من كثرة متابعتي لأخبار أضغاث ثورة..فتحت الجريدة أمامي..ارتشفت من قهوتي المرة رغم قطع السكر الكثيرة التي غرقت هذا الصباح في كأسي..ما تزال القهوة مرة..وما يزال الحلم الأسود يعتصر رأسي وهذه الجريدة المفتوحة قبالتي ترسم مستقبلا ورديا أمامي أراها مكتظة بالوعود والمشاريع التي تحدث عنها الوزراء والمدراء تمنيت لو كنت أعيش في جريدة..سأرى الشوارع النظيفة الواسعة التي حدثني عنها وزير التخطيط وارى الوظائف الشاغرة تفتح ذراعها أمامي وارى أمامي الفقر يسحب خيبته ويخرج من وطني بعد أن أوفى وزير التنمية بوعود التنمية في هذه الجريدة الصفراء..في هذا اليوم الأسود..كل شيء صار ورديا منذ أن فتحتها..يباغتني الحظ أمامي..لا أقرؤه..فمن هو مثلي لا حظ له ليقرأه..اقلب الصفحات وزير الشغل يعدنا بالعمل الكثير والخير الوفير..كُتب العنوان بالأحمر العريض معه صورة للوزير مبتسما تأملت في وجهه لا مشاعر أحسها وآنا أتأمل وجه الوزير..لا كره ولا محبة..ترى هل يعلم سيدي الوزير ثمن قهوتي السوداء المرة رغم كثرة قطع السكر فيها..؟؟ ترى هل يعلم سيدي الوزير أنني نسيت مكان شهادتي العليا فمنذ أن أخذتها من كليّتي لشدة فرحتي نسختها آلاف المرات اعتقدت أنها نسخ أتباهى بها أمام أترابي لكنني سرعان بما نفذ النسخ وأنا أرسل في كل يوم مطالب للسيد الوزير ترى هل أجد في هذه المقال عنوانه أو رقم هاتفه..لا أريد وعودا بالعمل أريد استرجاع نسخي..
* وها أنا نضال البطّال..اشرب ما تبقى من قهوتي..وأتأمل بقايا السكر المترسبة في قاع الكأس..القاع مغلف بالسكر..وقهوتي شربتها مرة..أعيد الجريدة لصاحب الكشك ولا اشتريها..أقف في وسط الطريق أفكر في مسار اتبعه..لأبحث عن عمل ولو بدراهم معدودة فكما تقول والدتي دراهم معدودة خير من كف ممدودة..أفكر وأعيد التفكير وفي الأخير اختار شارعا كبيرا ادخله دون تفكير...شارع تجاري يقطع وسط العاصمة أقف على ناصيته..أرى التمثال ما يزال حجرا كما هو..رغم انه قبل سويعات كان في حلمي بشرا..جموع الناس المتراصة تسير في قلب الشارع ملابسهم أنيقة ووجوه لامعة كما أحذيتهم وأنواع العطر تحملها إليّ النسمات..لا احد يبدو منزعجا من المظاهرة التي رأيتها قبل قليل في حلمي..ادخل لأول محل اعترضني..بدا من لافتته الكبيرة اللامعة أن تجارته ناجحة ولن يضير صاحبه أن يضيف إلى العاملين فيه عاملا أخر..اعترضني صاحب المحل مبتسما مرحبا ربما اعتقد الرجل أنني حريف جاء يقتني من سلعته أغلاها وأجودها..انظر في وجهه في صمت تنعكس ابتسامته المداهنة على وجهي فابتسم ابتسامة باهتة ..يفوح عطره الغالي فيغلق مجال التنفس أمامي أتراجع قليلا وأفكر هل اخرج وأعود من حيث أتيت؟ لكنني أتقدم بثبات وأقول للرجل المكتنز أمامي بالشحم والعطر والابتسامات..ابحث عن عمل فهل لك أن تقبلني؟ تتغير ملامح الرجل وتبهت الابتسامة فجأة وتختفي..غريب..قدرة رائعة على تغيير الملامح في لحظات..وفي لحظة سريعة يقوم بمسح كامل لهيئتي مط شفتيه وقال ماهي مؤهلاتك..ابتسمت فرحا هذه المرة فلا احد قالها لي من قبل كلما طلبت عملا قالوا لي لا يوجد دون أن يسألوا أسئلة إضافية أما هذا الرجل المكتنز وجهه يبعث على التفاؤل رغم عطره الغالي..قلت..ست سنوات حقوق..تجهم الرجل وفكر وعاد يسوي بعض الملابس على الرف..التفت مرة أخرى وقال عذرا لكننا لا نقبل سوى الفتيات هنا..واستدار إلى مكتبه معلنا نهاية الحديث نظرت إليه مرة أخرى أفكر في حيرة..لعل للرجل وجهة نظر فتصفيف الملابس في رفوفها ومعرفة المقاسات بدقة وإقناع الحريف خاصة الرجال منهم بجودة البضاعة أمر لا يبدو من هيئتي أنني لا أجيده فحتى ملابسي غير متناسقة فكيف أستطيع أن اقنع الحريف بتناسق ما يقتنيه..تمتم الرجل أمامي كأنه يطلب أن أغادر..في الباب كان عليّ أن أفسح المجال لسيدة تلبس معطفا من الفرو دخلت مسرعة وأغلقت مجال الخروج أمامي وخنقتني بعطرها الغالي..اعترضها الرجل إلى باب المحل بابتسامته المداهنة نفسها يثني على بضاعته يحدثها ان المحل لا يقدم سوى البضاعة الجيدة للحرفاء الجيدين..
* وأنا نضال البطّال أقف في هذه اللحظة أمام محل بيع الملابس أشاهد سيارة السيدة التي دخلت للتو ورائحة عطرها الغالي لم تغادر انفي بعد..أتمعن في السيارة السوداء وارى انعكاس وجهي على بلورها الأسود وعلى بلورها الأسود أرى انعكاس أفكاري..لو كنت صاحب وظيفة الآن ترى كم من راتب يلزم توفيره لأشتري سيارة غالية مثل سيارة السيدة التي دخلت للتو وقد خنقني عطرها الغالي؟ متى سأشترى سيارة وأتزوج ويكون لي بيت وأولاد؟ بلا عمل لا شيء يبدو قريبا..بلا عمل تكون كل أحلامي مجمدة في حكم التأجيل بلا عمل لا يحق للبطّالة مثلي أن يحلموا وإذا ما حلموا لا يجوز لهم أن يتخيلوا للحظة أنهم قادرون على تحقيق أحلامهم..تكون أحلامنا مؤجلة نختصرها كلها في البحث عن عمل رحلات البحث لا تنتهي ومعها تتواصل خيبات الرفض من أصحاب العمل..


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدليلية (Tags)
نضال, البطّال, يوميات



جديد مواضيع قسم شعر
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع


يوميات نضال البطّال


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
العالم النووي د. نضال الزعبي جنون انسان دليل قلب 0 2012-05-06 04:54 AM
يوميات قلب ون بيس شعر 0 2012-04-12 11:47 PM
يوميات امرأة عاملة عبير الورد شعر 0 2012-03-22 07:08 AM



الساعة الآن 05:01 PM


Powered by vBulletin Copyright ©2000 - 2014